كانت الهواتف الذكية ذات الشاشتين واحدة من الأفكار التي جذبت اهتمام المستخدمين، إذ قدمت طريقة مختلفة للاستفادة من الهاتف من خلال شاشتين بدل شاشة واحدة. ورغم أن هذه الأجهزة وعدت بتجربة أكثر مرونة وإنتاجية، فإنها لم تتحول إلى الاتجاه السائد في سوق الهواتف الذكية.
اليوم، ومع انتشار الهواتف القابلة للطي والشاشات الكبيرة، تبدو فكرة الهاتف ذي الشاشتين أقل شيوعًا مما كانت عليه سابقًا. لكن العودة إلى بعض هذه الأجهزة القديمة تكشف أن الفكرة نفسها لم تكن سيئة بالضرورة، بل ربما سبقت احتياجات المستخدمين والتقنيات المتاحة في ذلك الوقت.
فهل كانت الهواتف الذكية ذات الشاشتين فكرة فاشلة فعلًا، أم أننا تخلينا عن تصميم كان يمكن أن يقدم تجربة أفضل لو حصل على التطوير المناسب؟ استعراض هذه الأجهزة القديمة قد يقدم إجابة مثيرة للاهتمام.
لقد أدى الصعود المتسارع للهواتف القابلة للطي إلى كبح وتيرة النمطية والتشابه في تصميمات الهواتف الذكية، إلا أنه في المراحل المبكرة من هذا العصر، بدت الهواتف الذكية ذات الشاشتين (أي شاشتين منفصلتين تتصلان عبر مفصلة) بمثابة بديل للهواتف التقليدية ذات التصميم الموحد (أحادية الكتلة).
غير أن تلك الحقبة لم تدم طويلاً؛ إذ تراجعت الهواتف الذكية ذات الشاشتين تدريجياً لتصبح طي النسيان، في حين تزايدت شعبية الهواتف القابلة للطي. وللأمانة، فمن المفهوم تماماً لماذا حسمت الهواتف القابلة للطي تلك المعركة قصيرة الأمد لصالحها، لكنني قررت استخراج هاتفي الأصلي “Surface Duo” وغطاء الشاشة المزدوجة الخاص بهاتف “LG V60 ThinQ”؛ وذلك لأتحقق مما إذا كانت الهواتف ذات الشاشتين تتمتع بأي مزايا حقيقية تستحق الذكر.
الإمكانات المنسية منذ زمن طويل للهواتف ذات الشاشتين
تجربة استخدام هاتفي Surface Duo وLG V60 بعد مرور سنوات
للوهلة الأولى، قد يبدو أن الهواتف ذات الشاشتين كانت مجرد حل مؤقت ريثما تنضج تقنية الشاشات القابلة للطي وتصبح جاهزة للاستخدام الجماهيري؛ فكلا النوعين يقدمان وعوداً متشابهة: الجمع بين سهولة حمل الهواتف الذكية وراحتها وبين قدرة أجهزة الكمبيوتر على تعدد المهام، لابتكار جهاز متعدد الاستخدامات يجمع بين الميزتين.
لكن في رأيي، تكمن الميزة الحقيقية للهواتف الذكية ذات الشاشتين في “الوعي والقصدية” أثناء الاستخدام. فالهواتف القابلة للطي -مثل هاتف Samsung Galaxy Z Fold7 الذي أحمله في جيبي أو هاتف iPhone Duo المُعلن عنه حديثاً- تكون دائماً جاهزة للعمل كهاتف ذكي عادي، وحتى عند فتحها، يمكن استخدامها ببساطة وكأنها هاتف ذكي أكبر حجماً.
في المقابل، تشجع الأجهزة ذات الشاشتين -مثل Surface Duo- على استخدام أكثر وعياً وتعمداً نظراً لطريقة تصميمها وآلية عملها الأساسية. فالخطوة الإضافية المتمثلة في ضرورة فتح جهاز Surface Duo لاستخدامه (وكذلك خطوة طي الهاتف بالكامل للخلف إذا أردت استخدامه بشاشة واحدة) تجعلك تتساءل عما إذا كنت بحاجة فعلية لاستخدام هاتفك في تلك اللحظة؛ مما يقلل من الوقت الضائع في تفقد الإشعارات، أو التصفح اللانهائي لوسائل التواصل الاجتماعي، أو التنقل العشوائي بين التطبيقات لمجرد الملل.
كما أن وجود شاشتين منفصلتين -بدلاً من شاشة واحدة كبيرة- يعزز من ممارسة تعدد المهام. ورغم أن الهواتف القابلة للطي قادرة تماماً على ذلك أيضاً، إلا أن الكثير من المستخدمين يميلون عادةً إلى فتح تطبيق واحد فقط في كل مرة. أما في جهاز Surface Duo، فيُعد تعدد المهام أمراً طبيعياً ومتوقعاً؛ وقد دفعني استخدامه كهاتفي الأساسي إلى الابتكار أكثر في طرق الاستخدام وزيادة إنتاجيتي بشكل عام.
ويبدو أن شركة Apple تدرك هذا الأمر أيضاً؛ إذ يُعد iPhone Duo أول هاتف قابل للطي أراه يستلهم أفكاره ببراعة من جهاز Surface Duo – ولا أقصد هنا الاسم أو الشكل الذي يشبه جواز السفر. فتفاصيل مثل إمكانية عرض الشاشة الرئيسية على جانب واحد فقط، أو فتح الروابط والأزرار للتطبيق المعني على الجانب الآخر، تُظهر أن Apple تعاملت مع الشاشة الداخلية لهاتف iPhone Duo ليس كسطح واحد، بل كشاشتين متصلتين بسلاسة وقادرتين في الوقت نفسه على العمل بامتياز كشاشة واحدة كبيرة. حتى إيماءات التحكم في iPhone Duo تذكرني بالسلاسة والبديهية التي يتميز بها Surface Duo.
قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تُحدث تغييراً حقيقياً في طريقة استخدامك لهاتفك الذكي. بصراحة، كان هاتف Surface Duo جهازاً متواضعاً حتى عندما كان جديداً تماماً، لكنني شعرت بأن عاداتي في استخدام الهاتف الذكي كانت أكثر صحية، وأن أداء المهام المتعددة كان أكثر كفاءة بفضل شاشتيّ جهاز Duo، مقارنةً بالهاتف القابل للطي -الأكثر قدرة وإمكانيات- الذي استبدلته به. وقد أعاد لي استخدام كل من Surface Duo وLG V60 ThinQ (المزود بحافظة توفر شاشة ثانية) ذكريات تلك التجربة بعد كل هذه السنوات.
لا تُعد الهواتف القابلة للطي ترقيةً مباشرةً ومكافئةً تماماً للهواتف ذات الشاشتين.
ومع ذلك، فمن الواضح كيف قضت الهواتف القابلة للطي على حلم الهواتف ذات الشاشتين.
من السهل افتراض أن الهواتف ذات الشاشتين قد اندثرت لمجرد أن الهواتف القابلة للطي تمثل ترقية متفوقة عليها من جميع النواحي، لكن الواقع ليس كذلك تماماً؛ إذ تتمتع الهواتف الذكية ذات الشاشتين بمزايا فريدة تتجاوز ما ذكرته سابقاً، لا سيما فيما يتعلق بالمتانة والتكلفة وسهولة الاستخدام.
لا تعاني الهواتف ذات الشاشتين من مشكلات مثل هشاشة شاشات OLED القابلة للطي، أو ليونة الطبقة الخارجية للشاشة، أو ظهور ثنية (تجعد) في المنتصف، أو تعقيد آلية المفصلة التي تدعم الشاشة بأكملها. بدلاً من ذلك، فهي تعتمد على شاشتين تقليديتين من الزجاج الصلب تتصلان عبر مفصلات أبسط، مما ينعكس إيجاباً على الوزن والسماكة والمتانة طويلة الأمد، فضلاً عن تكاليف البحث والتطوير والإنتاج.
صحيح أن هاتف Surface Duo كان باهظ الثمن عند إطلاقه قبل ست سنوات تقريباً (حيث بلغ سعره 1400 دولار)، إلا أنه كان أرخص بـ 600 دولار من هاتف Samsung Galaxy Z Fold2 -الأثقل والأكثر سماكة وهشاشة- الذي صدر بعده بأسبوع واحد. كما يتميز Surface Duo بأنه أخف وزناً وأقل سماكة من هاتف iPhone Duo المقرر إطلاقه في أكتوبر؛ ولو استمرت الهواتف ذات الشاشتين وحظيت بفرصة ست سنوات من الابتكار والمنافسة، فكيف كانت ستبدو اليوم؟
بالنسبة لي، تكمن الميزة الأكبر في الراحة؛ فعلى عكس الهواتف القابلة للطي التي تتطلب فتحها لتصبح مسطحة تماماً، يمنحك Surface Duo شعوراً طبيعياً للغاية عند حمله مثل الكتاب. وبالحديث عن الكتب، لا يزال Surface Duo يقدم واحدة من أفضل تجارب القراءة الإلكترونية مقارنة بأي جهاز استخدمته، وذلك بفضل حجمه وشاشتيه وطريقة حمله. ورغم أن الحواف السميكة قد تبدو غير جذابة، إلا أنها -بلا شك- تسهل استخدام الجهاز بيد واحدة مقارنة بالهواتف القابلة للطي.
من الواضح أن الهواتف القابلة للطي تتفوق بمراحل من نواحٍ عديدة، لا سيما فيما يتعلق بطريقة استخدام معظم الناس لهواتفهم، ومع ذلك، لا يزال هناك شيء أحبه في Surface Duo يتجاوز عيوبه المتمثلة في برمجياته غير المكتملة وكاميرته السيئة. حتى هاتف LG V60 ThinQ، بحافظته الغريبة ذات الشاشة المزدوجة وفتحة الكاميرا الوهمية (التي تأخذ شكل قطرة ماء دون وجود كاميرا فعلية)، كان يتمتع بجاذبية خاصة؛ إذ كان بإمكانك ببساطة إخراج الهاتف من الحافظة واستخدامه كهاتف ذكي تقليدي (بشكل لوحي) متى شئت. لقد ولّى زمن الهواتف ذات الشاشتين، لكنني أتمنى لو لم يكن الأمر كذلك. لا تسيء فهمي؛ فأنا لا أزعم أن الهواتف الذكية ذات الشاشتين تتفوق على الهواتف القابلة للطي – إذ لا أزال أفضل حمل هاتف قابل للطي في جيبي – لكنني أؤمن بأن هناك متسعاً لهذه الهواتف في عالمنا اليوم. على سبيل المثال، يمكن لإصدار بشاشتين من هاتف “سامسونج جالاكسي زد فولد 8” (Samsung Galaxy Z Fold8) أن يمثل الوريث الروحي لهاتف “سيرفس ديو” (Surface Duo)، فينضم إلى عائلة “زد فولد” بسعر أقل بكثير، مع توفير كافة مزايا تصميم الشاشتين. هل سيحدث ذلك؟ قطعاً لا… لكنني أود حقاً رؤية أمر كهذا.
لم تكن فكرة الهواتف ذات الشاشتين سيئة، لكنها واجهت قيودًا تتعلق بالتصميم والبرمجيات وتجربة الاستخدام جعلت انتشارها محدودًا. ومع تطور الشاشات المرنة، عادت الفكرة نفسها تقريبًا بطريقة أكثر نضجًا من خلال الهواتف القابلة للطي.
ربما لم تكن المشكلة في وجود شاشتين، بل في الطريقة التي تم بها تنفيذ الفكرة. وهذا ما يجعل بعض الهواتف القديمة مثيرة للاهتمام، لأنها تذكّرنا بأن الأفكار التقنية قد تختفي لسنوات قبل أن تعود بتصميم أفضل.






